آخر الأخبار
الرئيسية / كتاب وأراء / كوفات وغزالات وأُمّة تنتحر

كوفات وغزالات وأُمّة تنتحر

Spread the love

وَفتْ غزالة نَذْرها، يا رب لا تغفر لها. هكذا أمسى أهل الكوفة يُرَددون ذات يوم… تُرى ما لِلْقوم وغزالة؟

هي غزالة الحرورية، وتُلقَّب أيضاً بالشيبانية، زوجة شبيب بن يزيد الشيباني، خرجت مع زوجها على عبد الملك بن مروان، وكان الحجّاج حينها والياً على العراق. كانت غزالة تقاتل جنب زوجها، وعُرِف الاثنان بالشجاعة والإقدام. يُحكى أنها طلبت الحَجَّاج، وما أدراك ما الحجّاج، للمبارزة، ففرَّ منها. وفي ذلك قال القائل:

أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ

فَتْخاء تنفرُ من صفير الصَّافر

هلاّ برزتَ إلى غزالةَ في الوغى

بل كان قلبك في جناحيْ طائر

صدعت غزالة قلبه بفوارسٍ

تركت مدابره كأمس الدابرِ

ومن فرطِ اعتزازها بنفسها، نذَرَت أن تصلي ركعتين في مسجد الكوفة عاصمة الحجّاج، وأن تقرأ في الأولى “البقرة” وفي الثانية “آل عمران”. وفعْلاً، دخلت وزوجها الكوفة، فَوَفت نذرها، وتهيَّب الحَجَّاج قتالها…

جُلُّنا قرأ، باستغراب، أو حتى باستهزاء، تصريحات للقائد السابق لحلف شمال الأطلسي الجنرال المتقاعد ويسلي كــلارك. وخلاصةُ ذلكم “الهراء” أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت في العام 2002 مذكرة تصـف كيــف سَتـُـجهِز الولايات المتحدة على ســبع دول، تبدأ بالعراق، ثم سـوريا، مروراً بلبنان وليبـيا والصـومال والسـودان، وتنـتهي بـإيران. يحكي ويسلي كــلارك أنه لم يسْتَوْعِب شخْصِيّاً هذا “النذر”.

وتأْبى الأيام إلاّ أن تؤكد لنا أن “الغزالة الأمريكية” جادة في نذرها. صحيح أن الجدول الزمني طرأ عليه بعض التعديل، وأن ثمة بلدانا قُدِّمت على الأخرى، لكن الأكيد أن الأجندة مازالت قيد التنفيذ. وتبقى بعض الأسئلة تومئُ برأسها، مثلاً: هل ينتهي نذر السودان فقط بِبتر الجنوب، أم أنه مجرد ركعة أولى ستتبعها ثانية؟

السؤال نفسه يطرح بخصوص ليبيا: هل ستكتفي غزالة بالتقسيم، أم أنها ستبقى لقراءة “آل عمران”؟ وهل ”أُحجِية” استقالة سعد الحريري ستكون شرارة الوفاء بالنذر اللبناني؟ وهل ترضى أمريكا أن يُفسد عليها أحد نَذرها السوري؟ وفي الأخير، هل يجب علينا أن ننتظر حتى تسقط كل هذه الدول حتى نقول: وفت أمريكا نذرها، فيا رب الْعن من ساعدها، أم يجوز لنا أن نعيدها مع كل دولة، خاصة أن “حجَّاج ” كل كوفة يختلف عن الآخر.

لا أظنه النذر الأول ولا الأخير الذي تنذره “الغزالات” حُيال “كوفتنا”. كلنا قرأ عن مؤتمر بازل 1897، نذرت الصهيونية بإقامة دولة يهودية في فلسطين خلال 50 سنة، وفي سنة 1948 وفت الصهيونية نذرها زماناً ومكانا، وخنس الحجّاجات الذين كانوا يوماً ما أسودا على شعوبهم، نعامات في الوغى، فقادوا الأمّة من نكبة إلى نكسة ثم إلى نَعْسة …

صلّت غزالة الخوارج في مسجد الكوفة وانسحبت بجيشها. لكن غزالة صهيون لن ترضى إلا الصلاة في الهيكل، أي على أنقاض المسجد الأقصى، ولا تنوي الخروج بعد ذلك. غزالة البنتاغون أمرها جد ملتبس ومُعقد، فهي لا تخفي عطفها، وأحياناً ولاءها للصهيونية، ولا يمنعها تحالفها مع بعض دول المنطقة أن تجهر بصليبية حملتها. تتلحَّف تارة بدثار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتارة بحماية الأقليات، ومرة بمحاربة الإرهاب. وقبل هذا وبعده تتكلم جهراً عن مصالحها “المشروعة” في المنطقة.

غزالة الخوارج استمدت “إديولوجيتها” من فهم مغلوط للإسلام، وغزالة صهيون من نبوءة تلمودية. أما البنتاغون ففي مختبراته تتفاعل التوراة بالإنجيل في محلول الدولار تحت نار البترول.

وتأبى الإهانة إلّا أن تسلط علينا غزالة أخرى استعادت أرثوذوكسيَتها بعد أن تلحفت عدة عقود بالماركسية اللينينية. لسنا ندري كم ركعة تنوي صلاتها، ولا بأيَّ ترانيم. كل ما نعرفه أن الحجَّاج نفسه هو من أذَّن لصلاتها في الكوفة الدمشقية.

نظرية المؤامرة، يقول القائل. كانت مؤامرة مع زبغنيو بريجنسكي [1] وبرنارد لويس[2] ومع الجنرال رالف بيترز[3]، أمّا الآن فهي ما بعد المؤامرة، أوْ قلْ ورشة مشتغلة ومشتعلة، وَقُودها العرب والكرد والأمازيغ والفرس والبشتون والطاجيك… والسُّنة والشيعة والإخوان والوهابيون… كل حسب زمانه وإحداثيات كوفته.

لسنا نتكلم عن قضاء وقدر، ولا عن أقلام رُفِعت وصحُفٍ جفَّت، بل عن تخطيط ومدافعة وأخذ بنواميس التاريخ والجغرافية. وإلى أن يتصالح الحَجّاج مع شعبه، ويوقف اسْتِئْساده عليه، ستظل الكوفة موضع نذر وتَنَذُّر.

الهوامش:

[1] مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، ومؤلف كتاب ”رقعة الشطرنج الكبرى” وكتاب ”رؤية استراتيجية، أمريكا وأزمة السلطة العالمية”. البعض يصفه بمؤسس تنظيم القاعدة. https://ia801709.us.archive.org/22/items/ketaby20/008rooyah.pdf

[2] أستاذ فخري بريطاني أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون. يوصف بأنه أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين، واشتهر بوضعه خريطة جديدة للعالم الإسلامي بدويلات جديدة.

[3] كاتب مقال ”حدود الدم.. كيف سيبدو الشرق الأوسط بصورة أفضل”. وضع هو الآخر خريطة جديدة للشرق الأوسط.

http://www.alzaytouna.net/arabic/data/attachments/2012/ME_Blood_borders_6-12.pdf

للاعلان هنا اضغط على الصورة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدريوش.. “جلسة النطق بالحكم” بقلم “أيوب بولهدارج”

Spread the love الدريوش “جلسة النطق بالحكم” بقلم : أيوب بولهدارج بسم ...